الغزالي
398
إحياء علوم الدين
فقيل له : لو عممت بمعروفك جميع الفقراء لكان أفضل ، فقال : لا هؤلاء قوم هممهم لله سبحانه فإذا طرقتهم فاقة تشتت همّ أحدهم فلأن أرد همة واحد إلى الله عز وجل أحب إلى من أن أعطى ألفا ممن همته الدنيا ، فذكر هذا الكلام للجنيد فاستحسنه ، وقال هذا : ولى من أولياء الله تعالى ، وقال : ما سمعت منذ زمان كلاما أحسن من هذا ، ثم حكى أن هذا الرجل اختل حاله وهم بترك الحانوت فبعث إليه الجنيد مالا وقال : اجعله بضاعتك ولا تترك الحانوت فان التجارة لا تضر مثلك . وكان هذا الرجل بقالا لا يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه الصفة الثانية : أن يكون من أهل العلم خاصة ، فان ذلك إعانة له على العلم ، والعلم أشرف العبادات مهما صحت فيه النية . وكان ابن المبارك يخصص بمعروفه أهل العلم ، فقيل له : لو عممت ! فقال : إني لا أعرف بعد مقام النبوّة أفضل من مقام العلماء ، فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجة لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم ، فتفريغهم للعلم أفضل الصفة الثالثة : أن يكون صادقا في تقواه وعلمه بالتوحيد ، وتوحيده أنه إذا أخذ العطاء حمد الله عز وجل وشكره ورأى أن النعمة منه ولم ينظر إلى واسطة . فهذا هو أشكر العباد لله سبحانه ، وهو أن يرى أن النعمة كلها منه . وفي وصية لقمان لابنه : لا تجعل بينك وبين الله منعما ، واعدد نعمة غيره عليك مغرما . ومن شكر غير الله سبحانه فكأنه لم يعرف المنعم ولم يتيقن أن الواسطة مقهور مسخر بتسخير الله عز وجل ، إذ سلط الله تعالى عليه دواعي الفعل ويسر له الأسباب فأعطى وهو مقهور ، ولو أراد تركه لم يقدر عليه بعد أن ألقى الله عز وجل في قلبه أن صلاح دينه ودنياه في فعله . فمهما قوى الباعث أوجب ذلك جزم الإرادة وانتهاض القدرة ، ولم يستطع العبد مخالفة الباعث القوى الذي لا تردد فيه ، والله عز وجل خالق للبواعث ومهيجها ، ومزيل للضعف والتردد عنها ، ومسخر القدرة للانتهاض بمقتضى البواعث ، فمن تيقن هذا لم يكن له نظر إلا إلى مسبب الأسباب ، وتيقن مثل هذا العبد أنفع للمعطي من ثناء غيره وشكره ، فذلك حركة لسان يقل في الأكثر جدواه ، وإعانة مثل هذا العبد الموحد لا تضيع . وأما الذي يمدح بالعطاء ويدعو بالخير فسيذم بالمنع ، ويدعو بالشر عند الإيذاء ، وأحواله متفاوتة .